أحمد بن محمود السيواسي

79

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 35 ] وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 ) قوله ( وَيَعْلَمَ ) بالنصب عطف على تعليل محذوف وهو كثير في القرآن ، تقديره : لينتقم منهم وليعلم ( الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ) أي في القرآن بالتكذيب ( ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) [ 35 ] أي مهرب من عذابنا ، وبرفعه استئناف « 1 » . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 36 ] فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 ) قوله ( فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) شرط ، جزاؤه ( فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي ما أعطيتم من شيء من أموال الدنيا فهو زينة الحياة الدنيا ويتمتع به زمانا يسيرا ثم يزول ( وَما عِنْدَ اللَّهِ ) أي في الآخرة من الثواب ( خَيْرٌ ) من حطام الدنيا ( وَأَبْقى ) أي أدوم ( لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ 36 ] أي يفوضون أمورهم إليه . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 37 ] وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ) عطف على المؤمنين ، وكذلك ما بعده للمدح بجمع الصفات العظام ، أي وللذين يجتنبون ( كَبائِرَ الْإِثْمِ ) أي الشرك وغيره من النفاق والرياء ( وَالْفَواحِشَ ) وهي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة ( وَإِذا ما غَضِبُوا ) على أحد ( هُمْ يَغْفِرُونَ ) [ 37 ] أي يتجاوزون عنه ، وجعل « هُمْ يَغْفِرُونَ » جملة اسمية وقعت جوابا ل « إِذا » لإفادة التخصيص ، أي هم الأحقاء بالغفران في حال الغضب . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) ( وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ) أي أطاعوه فيما يدعوهم إليه من الإيمان به والأمر والنهي ( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) أي الصلوات الخمس في مواقيتها ( وَ ) الذين ( أَمْرُهُمْ شُورى ) أي ذو شورى مصدر بمعنى التشاور ، يعني لا ينفرد واحد منهم برأي دون صاحبه ، وكانوا قبل مقدم رسول اللّه عليه السّلام المدينة إذا كان بينهم أمر اجتمعوا وتشاوروا فأثنى اللّه عليهم بذلك وهم طائفة الأنصار ( بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ 38 ] أي يتصدقون في سبيل اللّه . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) ( وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ ) أي الظلم الذي يؤدي إلى الفساد ( هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) [ 39 ] أي ينتقمون من المشركين ولا يعتدون عما أمرهم اللّه به من الانتقام ، وهذه الآية لا تنافي آية « يَغْفِرُونَ » « 2 » ، لأن ذلك عند الاقتدار على الانتقام مع عدم الفساد ، روي : « أنهم قوم كانوا يكرهون أن يستذلوا ويحبون العفو إذا قدروا » « 3 » . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 40 ] وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) ( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ) أي عقوبة مظلمة صادرة من ظالم عقوبة به ( مِثْلُها ) أي مثل مظلمته ، يعني يجب إذا قوبلت الإساءة أن يقابل بمثلها من غير زيادة ، سميت الثانية سيئة للمشاكلة ( فَمَنْ عَفا ) أي من تجاوز عن مظلمته ( وَأَصْلَحَ ) الود بينه وبين خصمه بالعفو ( فَأَجْرُهُ ) أي ثوابه ( عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [ 40 ] أي البادين بالظلم ، روي : « أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على اللّه أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا » « 4 » ، فيقال له ادخل الجنة باذن اللّه .

--> ( 1 ) « ويعلم » : قرأ المدنيان والشامي برفع الميم ، والباقون بنصبها . البدور الزاهرة ، 287 . ( 2 ) الشورى ( 42 ) ، 37 . ( 3 ) روى سفيان عن منصور عن إبراهيم ، انظر السمرقندي ، 3 / 198 ؛ والبغوي ، 5 / 87 . ( 4 ) عن محمد بن المنكدر ، انظر السمرقندي ، 3 / 198 - 199 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 5 / 87 ( عن الحسن ) .